في الوقت الذي تتشدق فيه الهيئات الرياضية الدولية بشعارات "فصل الرياضة عن السياسة" ونشر قيم "المساواة والعدالة"، جاءت واقعة منع الحكم الدولي عمر أرتان لتسقط القناع الأخير عن وجه المنظومة الكروية، وتكشف عن عورة التسييس الفج الذي بات يتحكم في مصائر اللعبة الأكثر شعبية في العالم
إن قرار منع الحكم عمر أرتان من ممارسة واجبه وتحكيم المباريات لم يكن مجرد قرار إداري جائر، بل هو كارثة حقيقية واغتيال معنوي لقيمة الكفاءة والجهد, عندما يُعاقب الحكم لا لخطأ فني ارتكبه داخل المستطيل الأخضر، بل لاعتبارات سياسية وخارجية، فإننا أمام سابقة خطيرة تهدد نزاهة التحكيم العالمي وتضع سيف التهديد فوق رقاب كل حكام النخبة.
والسوبر الأوروبي ليس تعويضاً عادلاً في محاولة لامتصاص الغضب وتجميل الصورة، حيث سارع الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (UEFA) إلى إسناد مباراة كأس السوبر الأوروبي للحكم عمر أرتان كنوع من "التعويض".
والحقيقة المرة أن هذا القرار ليس إلا مسكناً مؤقتاً وذرّاً للرماد في العيون. إن تعويض أرتان بمباراة واحدة -مهما كانت أهميتها- ليس هو التعويض المنتظر ولا يعيد له حقه المسلوب.
كان الأجدر بالاتحادات الكروية القارية، وبطابور الحكام الدوليين، إعلان التضامن الكامل والملموس مع زميلهم, إن الصمت الجماعي والقبول بالحلول الترقيعية يكرس لـ"مهزلة" حقيقية؛ حيث كان يجب على الحكام والاتحادات اتخاذ مواقف حاسمة، تصل إلى حد التلويح بمقاطعة بعض الفعاليات، لإنهاء هذا العبث وضمان عدم تكراره مع أي حكم آخر مستقبلاً.
هناك أزمة حقيقية في التأشيرات: المونديال في فخ التسييس ولم تتوقف المأساة عند حدود الطاقم التحكيمي، بل امتدت لتطال الروح الحقيقية لكرة القدم وهم الجماهير, فكارثة عدم قبول تأشيرات فئات واسعة من المشجعين وحرمانهم من مؤازرة منتخباتهم بناءً على خلفيات سياسية أو جنسيات محددة، يحول بطولة كأس العالم من محفل إنساني عالمي لتقارب الشعوب، إلى بطولة مسيسة بدرجة كبيرة تدار خلف الكواليس بأجندات دولية ضيقة.
إن ما حدث مع عمر أرتان ومع الجماهير المحرومة هو جرس إنذار شديد اللهجة,إذا استمرت "الفيفا" والاتحادات القارية في تقديم التنازلات وتغليب المصالح السياسية على القيم الرياضية، فإن كرة القدم ستفقد شعبيتها ونزاهتها؛ فالعدالة لا تتجزأ، والصافرة التي تخاف من السياسة لا يمكنها أبدًا أن تدير مباراة عادلة.