أساطير لا تنسي .. متعب " الزمن يتوقف احياناً "

أساطير لا تنسي .. متعب " الزمن يتوقف احياناً "

لا شيء مثل مشاهدة فريقك المفضل من أرض الملعب، ذلك الشغف الذي لا يتبدل ابداً ،و لكن اليوم يبدو عصيباً علي الجميع ،دقيقه واحده تتبقي علي نهاية المباراة و الأهلي لا يزال متعادلاً بدون اهداف ،بين جموع الجماهير التي تحلل سبب التعادل هناك رجلاً ينظر الي المباراة في حزن عميق ،لماذا تقسو عليه الظروف من كل الاتجاهات ،فهو ينتظر المباراة من أكثر من أسبوع لتزيح عنه ملل الدنيا و ضيقه من كثرة متطلباتها ،استدان جزء من ثمن التذكرة ممنياً نفسه بسعادة لا يجدها الا هنا ،فلماذا يبخل عليه الأهلي الذي يطلب منه القليل من الفرحة ،يفتح الرجل عيناه علي مدي اتساعهما  ،ينهض من مكانه و يرفع يداه تدريجياً و كأنه يمثل مشهد بالتصوير البطيء ثم تأتي اللحظة المناسبة تماماً ،تلك اللحظة الفاصلة بين زمن و زمن ،فبعد تلك اللحظة تتبدل الأمور تماماً ،يقفز الرجل فجاه الي الهواء بأقصى ما يستطيع من قوه صارخا ملء حنجرته بكلام لا يمكن تمييزه بين صراخ الجميع ،يحتضن رجل بجانبه ،هو لا يعرفه في حقيقة الأمر و لكن لا يهم ،تلك النشوة التي لا تقدر بثمن تلك المتعة التي عُشقت من أجلها كرة القدم ،فرحة اللحظة الأخيرة التي تنسيك كل شيء ،الجميع سواسيه في هذه اللحظة ،تلك اللحظات القليلة المثيرة التي ينتزعها الجميع في زمن روتيني ممل ،لا ينسي الرجل أخر ما سمعه و رآه قبل أن تتسارع ضربات قلبه اثر تدفق الادرينالين المناسب للحظه كتلك ... عماد متعب ،هو العُمدة كالعادة ،الرجل الذي يستحق ان تسجل اللحظة الأخيرة باسمه ،الرجل الذي يتوقف الزمن عند رأسه أو إحدى قدميه .

عندما تتلقي تعليمات مدربك في اخر حصه تدريبيه قبل مباراة الأهلي تدرك تماماً ان الرجل يعقد عليك الكثير من الآمال ،يبدو علي وجهه و كانه يرجوك ألا تخطأ أو تفقد تركيزك ،تمنعه مهابته فقط من أن يخبرك صراحةً انك الوحيد القادر علي تحديد شكل الكثير من قادم أيامه ،إذا خسر فهو قد خسر من الأهلي مثله مثل غيره ،أما إذا فاز ،فالجميع سيسلط عليه الضوء ،متي و هل و أين و لماذا و كيف ؟ سيرد علي جميعها بالكثير من التحليل و السرد ،لا أحد غيرك سيمكنه من فعل ذلك ،فانت مدافع الفريق الأساسي ،ادرك تماماً ان كرة القدم لعبه جماعيه خالصه كما يدرك الجميع ،لكن الكل ينظر اليك قبل المباراة في رجاء ،قد يأتي الهدف لأي سبب و لكن لا تكن أنت السبب ،تنزل الي أرض المباراة تشعر بالكثير من الضغط متمنياً الا تخذل أحد ،لا أعرف كم من الوقت مر و لكني اخمن اننا في نهاية المباراة ،لم نتلق أهداف ،لقد ركضت نحو كل كره ،قفزت كلاعبي السلة في كل اتجاه ،لم افقد تركيزي لحظه ،المح الحكم الرابع علي الخط يشير بخمسة دقائق ،اكاد ألا اري امامي من كثرة الإرهاق ،دقيقه متبقاه فقط و ينتهي كل ذلك ،يتمركز الجميع داخل مربع منطقة مرمانا ،عرضيه ترسل من اليسار ،ارتقي كالعادة لأطيح بها بعيداً علها تكون المرة الأخيرة قبل أن تنتهي المباراة و لكنني لم ألمسها هذه المرة ،الكره في الشباك و يجري مهاجم الأهلي مقبلاً اصبع يديه ،ألمح الرقم من علي ظهر قميصه ..... عماد متعب ،هو القناص كالعادة ،الرجل الذي تتحطم عنده آمال المدافعين في الخروج بشبكه نظيفة .

في طريق عودته الي المنزل يلاحظ الرجل خلو الشارع من الزحام المعتاد ،إذن من الواضح ان الأهلي يلعب مباراة مهمه في هذه الأثناء ،يأبي الرجل  المعروف بزملكاويته الشديدة أن يشاهد المباراة في التلفاز ،فالأهلي سيفوز كالعادة و ربما يكون فائزاً بالفعل بفرق هدفين أو ثلاثة و هو ما لا يحب أن يراه أبداً ،سيعرف أن المباراة انتهت عندما يسمع صوت احتفالات الجماهير في الشارع ،بعدها فقط سيُشغل التلفاز بصوت مرتفع للغاية حتي لا يسمع هؤلاء الذين يحتفلوا ،سيحاول جاهداً ان يتفادى القنوات الرياضية و القنوات العادية أيضاً ربما يصطدم بمذيع سمج يهنئ الأهلي علي فوزه و إحراز البطولة ،هو لا يعرف ما هي تلك البطولة و لا يهمه ذلك و السبب واضح ،و لكنه يلاحظ أنه لا صوت لرواد المقهى الذي يسكن فوقه اطلاقاً !! معقول هل يكون ما يعتقده صحيحاً ! هل يكون الأهلي خاسراً ،يطرد تلك الأفكار من رأسه متذكراً إحدى المباريات التي ظل يشجع فيها فريقاً تونسياً لمدو تسعون دقيقه ثم فاز الأهلي في اخر دقيقه ،نجا يومها من الإصابة بالأزمة القلبية بأعجوبة ،و لكنه و في لحظه شجاعة نادره يشوبها الكثير من التهور قرر أن يري بنفسه نتيجة المباراة ،يالله !! الأهلي متعادل سلبياً في المباراة ،المعلق يوضح أن هذه النتيجة تعني هزيمة الأهلي و فقدان البطولة علي أرضه و وسط جماهيره ،تلمع عيناه و تنفرج أساريره ،يبتسم في نشوه كبيره ،يتخيل نفسه وسط زملاءه الاهلاوية الذين حولوا حياته الي جحيم في السابق ،يري نفسه وسطهم منتصراً ،في حقيقة الأمر فريقه لم ينتصر و لكن علي الأقل فريقهم قد هُزم أخيراً ،لن يفلت أحد منهم من قبضة يده ،حان وقت العقاب ،يعود الي الشاشة ،دقيقه واحده متبقيه من أصل خمسة دقائق أشار بها الحكم زوراً و بهتاناً ،هو لم يري المباراة و لكن من المؤكد أن الحكم أعطي خمسة دقائق دون داعي ،يفيق من تركيزه في الوقت الضائع علي صوت صراخ ،صراخ المعلق و صراخ رواد القهوة و صراخ جيرانه ،صراخ الجميع يشعر به داخل رأسه تماماً ،يري علي الشاشة لاعبوا الأهلي ملتفون نحو اللاعب الذي أحرز الهدف ،فعلها مره أخري ...... عماد متعب ،هو المُتعِب كالعادة ،الرجل الذي يتمني كل من ينتمي للفرق الأخرى أن يحظى به .

اعتدت دائماً أن أذكر نفسي بحقيقه وحيده كل يوم ،ان كان هناك ما يستحق ان تضحي من أجله حتي أخر نفس فهو النادي الأهلي ،دخلت النادي الأهلي و أنا لم اتعد الثالثة عشر ،لم أكن أحلم بأكثر من ذلك ،لم أتخلي عن الأهلي أبداً ،يكفيني أن يقترن إسمي بإنجازات الأهلي ،يكفيني أنني أسعدت جماهير الأهلي بقدر ما استطعت ،البعض يقول أني لم اصبح كما كنت ،حسناً ان كان الأهلي يحتاجني لمده دقيقه فقط كل مباراة فأنا لن ارفض و لن أتخاذل ،كل ذلك لن يهم طالما قافلة الأهلي تسير علي الطريق الصحيح ،أري ان الجميع قد فقد الأمل ،الإرهاق يسيطر علي الجميع ،الكرات الطائشة أكثر من المتقنة بكثير ،استطيع تماماً أن احافظ علي تركيزي في مثل تلك الأوقات ،عندما يتراخى الجميع ،ويأمن البعض ان الأمر انتهي ،أنه لا مجال لحدوث تغيير في الأمور ،أكون اسبق للكره من الجميع ،متخذاً قراري بالتسديد او بالراسية ،ربما يسري في عروقي بعض الثلج و لكن ما هو أهم أيماني بنفسي و بالنادي و بأن الأهلي سيفوز و لو تأخر الوقت ،افعلها منذ أكثر من عشر سنوات ،و في كل مره يطربني سماع صيحات الجماهير كما لم يحدث من قبل ،استطيع أن اشعر بها مره أخري الأن ،فالمباراة يتبقى علي نهايتها أقل من دقيقه ،عرضية ربما ليست بالمثالية و لكنها تقابل الرأس المثالية للتوقيت الحالي ،الكره في المرمي ،الجميع يصرخ ،اركض لاحتفل كالعادة  فيلتف حولي كل اللاعبين ،تكرر هذا الاحتفال المجنون كثيراً كما  تغيرت أرقام قمصاني و لكن بقي الاسم ثابتاً .... عماد متعب

 

X