جيل الصبر

جيل الصبر

كتب:  أشرف موسى

تحية واجبة لجيل من مشجعي كرة القدم تجرع مرارة الصبر لسنوات يحلم بهذه اللحظة التاريخية التي ظن أنها لن تتكرر، بعد أن ذاق حلاوة التأهل لمونديال ايطاليا 90.

فمنذ أن نزلت عدالة السماء على ستاد باااليرمو، يعيش أبناء هذا الجيل حلم "مصر في المونديال"، لكنه يتحول كل 4 سنوات إلى كابوس. تتراقص أعمارهم حول الرقم 40، وفرحوا بكل تأكيد بفوز الفراعنة بأربعة القاب من كأس أمم افريقيا، لكن ظلت أعينهم تلمع ببريق حلم المونديال. كانوا يصبَّرون أنفسهم ببطولات قارية للأندية، وأحياناً بميداليات أولمبية في الألعاب الفردية، أو حتى بمشاركة مصر في كأس العالم، لكن لرياضات أخرى.

جيل تربي على أساطير جمل التحليل الكروي، مثل 'الدولي غير الدوري"، و"اللعيبة دي ما تستحقش تلبس فانلة منتخب مصر"، و"الفرقة محتاجة دم وفكر جديد". جيل قادر على سرد التمثيل العربي والإفريقي، وأحيانا العالمي، في كل مونديال تابعه جالساً بجوار زميله المشجع البلغاري والإماراتي والزائيري يشاهدون منتخبات دول أخرى غير منتخبات بلادهم، متباكين على تاريخ يتردد بحسرة كلما جاء ذكر المونديال.

جيل متعته كانت مشاهدة المباريات على المقاهي وليس في منازلهم، ولم يشكو من السفر والانتظار ساعات لاستقبال المنتخبات والأندية في المطار بعد كل فوز. جيل سهر حتى الصباح احتفالا بانتصارات فرق بلاده في شوارع جامعة الدول المنتشرة بعرض الجمهورية. يوم المكسب، الله عليه وهو "طاير م الفرحة وعايز ياخد صحابه وأهله وجيرانه في احضانه" ولا عبد الحليم حافظ عندما علم انه سيؤدي دور حبّيب معبودة الجماهير. أما لو المنتخب أخفق، تجده اكتسى بالغم كأنه عبد الحليم في نفس الفيلم عندما أدرك الخديعة التي وقع ضحيتها.

بعض هذا الجمهور كان يذهب إلى الاستاد مرتدياً أطقم كرة قدم كاملة (ملابس وأحذية) نظراً لتقمصه حالة المباراة قبلها بأيام ... جمهور لم يستوعب أبدا الدرس مهما كتبت وكررت له مانشيتات صحف من نوعية "ضاع حلم (وليس مجرد أمل) التأهل لكاس العالم" بنكهاته وصياغاته المختلفة.

جمهور حلم ان الجنرال يكرر الانجاز، او تحقق ثنائية روقة وبيبو المعجزة، أو أي خواجة "تبان له كرامات"، وتلقى صدمة عمره مع جيل المعلم في أم درمان. جمهور شاهد المنتخب في كل أحواله ... جيل سيء الحظ إنه عاصر المنتخب مبكراً بعقدين من الزمان، على عكس أجيال كروية لاحقة استمتعت - بل وتباهت - بمنتخب بلدها منذ عهد المعلم، لأنهم لا يعرفون كم كنا "بينوعاني" مع توليفة منتخبات سابقة، لكننا اضطررنا لتشجيعهم والحلم معهم وكأن تلك المنتخبات كانت لها قدرات تنويم مغناطيسي أو سحر أسود خارقة. جيل البلاي ستيشن قد يظن أن المنتخب دائماً يمتلك لاعبين من قماشة أبو تريكة والحضري وصلاح، لكنهم لا يعلمون أن الجيل الذي سبقهم وقف وراء منتخبات قوامها حسين السيد وفوزي جمال واحمد ساري وأحمد صلاح حسني وأشباههم، ودربها محسن صالح وتارديللي ورادوليسكو وخواجات لا تهم أسمائهم لكن تبقى أرقام رواتبهم.

المهم ... أرى نفسي مؤهلاً لأدعي أن أبناء جيلي تملأهم السعادة حالياً بتأهل منتخب مصر لكأس العالم، وأنهم مستلقون حالياً كالمحارب بعد انتهاء معركته بالنصر. يستمتعون بذكريات جميلة وهم يرون أبناءهم يشهدون تأهل مصر لروسيا 2018 وهم في نفس أعمارهم عندما شهدوا هم تأهلها لإيطاليا 90. يسترجعون شريط الذكريات عندنا فرحوا وهللوا في طابور المدرسة يوم 18 نوفمبر 89 (صباحية ماتش الجزاير)، عندما قرأ زملاؤهم في الإذاعة المدرسية خبر "مصر تتأهل للمونديال بعد غياب 56 سنة"، ويحمدون الله أن مد في عمرهم حتى حضروا تأهل المنتخب للمونديال مرتين، بعد أن ارتابوا في أن يحدث هذا في حياتهم، ولا يرغبون سوى في الاستمتاع بمنظر علم مصر على أجساد لاعبي المنتخب وهم يرددون السلام الوطني في أرض ملعب المونديال، وأن يحتفطوا بفيديو HD لمصر في كأس العالم.

في هذا اليوم التاريخي ...

بقدر فرحتي بوصول منتخب مصر لكأس العالم، أهنيء وابارك للمشجع المصري الصابر وصوله هو لكأس العالم.

X