رحلتي الي يوتوبيا الزمالك

رحلتي الي يوتوبيا الزمالك

سنعيش هنا وحدنا ،،

سنقص عليهم تلك الكذبة، وسنتقن التفاصيل حتي تبدو واقعية، سنخبرهم اننا عشنا دائماً تحت مظلة الظلم، سنطعمهم تلك المبررات والحجج، وسنظل نكذب ونكذب ونزيف ثم نكذب ونزيف ثم نكرر هذة الاكاذيب ثم نكررها مجدداً حتي تصير الكذبة حقيقة لا يستطيع احد انكارها حتي ولو كان كذبها اشد وضوحاً من منطقها، فمن يملك ان يكذب ما يهتف به الجموع والاعداد الغفيرة التي ستتبعنا، سيصم هتافهم الآذان ولن يتمكن احد من اسكاتهم، وهكذا سيصدق الجميع حتي نحن، نعم صنعنا تلك الاكاذيب بأنفسنا ولكن سيأتي الوقت الذي سننسي به كيف صنعناها، لنبني عالمنا الخاص علي تلك الحقيقة الزائفة.

في رواية الكاتب الكبير أحمد خالد توفيق قام الاثرياء ببناء مدينة خاصة في الساحل الشمالي اطلقوا عليها "يوتوبيا"، تلك المدينة التي يعيش بها هؤلاء بعيداً عن الاخرين وعن تفاصيلهم المشوهة وعالمهم الكئيب، حتي ولو كانت الحقيقة تعيش في ذلك العالم الحقيقي، ولكن لا بأس من صناعة عالم خاص بنا تماماً.

بنفس المنطق، قام العديد من مشجعي نادي الزمالك ببناء عالمهم الخاص، لم تكن يوتوبيا الزمالك ممكنة علي ارض الواقع، ولكنها ستكون ممكنة حتماً في ذلك العالم الإفتراضي.

وعلي ذلك قرروا التوجه الي عالم مواقع التواصل الاجتماعي، انطلقت تلك الصفحات، العشرات من الصفحات يتابعها الالاف، تقص الحقيقة الوحيدة التي لا وجود لها الا في عقل من يروي تفاصيلها، عن ذلك العالم الظالم التي يعيشه ابناء القبيلة البيضاء، وبالطبع طالما تواجد الظلم، لابد من وجود ظالم ومستفيد، وبالتأكيد ارتدي كل الطواغيت في يوتوبيا الزمالك، القميص الاحمر.

نغني للحق والجمال ،،

علي مواقع التواصل الاجتماعي سنقص علي هؤلاء المشجعين الصغار كل تلك التفاصيل التي صنعناها بأنفسنا، اغلب هؤلاء المشجعين من صغيري السن لم يشاهد الكثير من الحكايات التي يرويها حكماء اليوتوبيا البيضاء، فتقوم الصفحات بالحديث عن مدي فجاجة وتشوه الاحمر القبيح، مقابل الجمال الابيض العظيم الذي جاء ليقيم الحق والجمال بالعالم ولكن ذلك الشيطان الأحمر المسيطر علي كل شئ احال حياتهم جحيماً حقيقياً بالظلم وغياب العدالة.

يجاملهم التحكيم، تجاملهم الدولة، يجاملهم النظام، يجاملهم الاتحاد المصري لكرة القدم، والاتحاد الافريقي، والاعلام، نحن نعيش وحدنا في ذلك العالم القاسي المقيت الظالم، نحارب وحدنا وسنستمر ولن تقف تلك الحرب المقدسة، حتي نحقق العدل، ويبعث الفارس الأبيض الذي يقودنا لنخرج من عالمنا هذا ويُدخل ذلك الشيطان الي الزنزانة التي ستقيده للأبد لنقوم باصطياد ابنائه فرداً فرداً لينتهي القبح من العالم.

في الحقيقة لا اعلم كيف تستطيع تلك الصفحات صناعة كل ذلك، لا امنع نفسي من الاعجاب بما يملكون من قدرة لا علي صناعة الكذب، بل وعلي الحياة بين جدرانه، وحفظ تفاصيله، حتي صارت حقيقة لا يمكن انكارها، لا يوجد ملل من تكرار الاساطير المؤسسة للمظلومية البيضاء، لن يقوم الزمن بدفن هدف حسن شحاته ابداً.

نبني عالماً فريداً ،،

وفي ذلك العالم الفريد من نوعه، يمتلك "الزمالكوي" قدرات خاصة في شتي جوانب الحياة، فهم "الاحرف" في كرة القدم حتي ان كانوا مجموعة من الاصدقاء يلعبون في احد ملاعب منطقة شعبية، او تحت احد "كباري" العاصمة، هم الاجدر والاحرف لانهم "زمالكوية".

وبالطبع هم الجماهير الاكثر وفاءاً في كرة القدم، لان فريقهم يخسر وهم ورائه حتي النهاية، هم الاكثر عشقاً، لان العشق يأتي في الخسارة اكثر من المكسب، وكما نعلم الأهلي يفوز في اغلب الاحيان فلا يمكن ان يكون جماهير الأهلي اكثر وفاءاً من الجماهير البيضاء، او حتي في نفس الدرجة، فهم يشجعون ناديهم بدون بطولات وجاء العشق نقياً مجرداً من الحسابات التي يخضع لها عشاق الأحمر الظالم، وهي حسابات المكسب والخسارة، فالحب يأتي من رحم المعاناة، وان لم يعاني فريقك فـ حبك له ضعيف، ولا يقارن بحب الزمالكاوي لناديه الذي يعاني ، تحت مظلة الظلم الأهلاوي الغاشم.

يمتلكون الرؤية الثاقبة حتي في الكوميديا، فتجد انهم بالطبع اخف ظلاً من الاهلاوية ان انطلقت الحفلات الصاخبة علي مواقع التواصل الاجتماعي، وفي فهم الكرة وقواعدها وتفسيرها وتحليلها هم الافضل بالبع، فجماهير الأحمر مجموعة من الهتيفة ، "البيب بيب" كما سطلقون عليهم في مدينتهم الفاضلة.

 وحدنا نسير، مثلنا لا يوجد الكثير ..

هؤلاء من يرتدون الأحمر لون الدم، عاثوا فساداً، وتحكموا في الجميع، وبالتحيكم الذي لابد وان يكافئهم بضربات الجزاء التي تحسم البطولات، انظروا الي اسطورتهم محمد ابو تريكة، اتعرف ما كان لقبه، "الغطاس" نعم فهذا اللاعب لم يكف عن التمثيل، ادعوا انه قديس ولكنه كان يغش، اتذكر ضربة الجزاء التي احتسبها لهم الحكم امام حرس الحدود من خارج منطقة الجزاء، تلك اللحظات القاسية التي اهدت الدوري للأهلي، العهر التحكيمي الفاجر.

اطلقوا لقب الغطاس علي محمد ابو تريكة وانتشر بينهم كالنار في الهشيم، وهو افضل مثال علي صناعة الكذب، فتجد تلك الاجيال الجديدة التي لم تشاهد هذا الدوري من الاصل يتحدثون عن كيف ظلمهم الحكام، وكيف اهدي البطولة الي النادي الأهلي، وبالطبع لن يتحدث احد منهم عن ان الزمالك كان سادس الدوري وان الفريق الأحمر وصل الي الصدارة بضعف عدد النقاط التي حصلوا عليها، لا يحدث ذلك بالطبع، ضربة جزاء وحيدة اكسبت ابو تريكة هذا اللقب بينما لم يجرؤ احدهم عن الحديث عن طارق السعيد وجمال حمزة وفاروق جعفر والعديد والعديد من اللاعبين الذين تباروا في خداع الحكام، ولكن هذا كله جزء من العالم الابيض.

العديد والعديد من الحقائق التي صنعوها لانفسهم، ووجدت انتشاراً كبيراً بعد ان انتقل التشجيع في الكرة المصرية الي مواقع التواصل الاجتماعي، فالمدرجات اصبحت حدثاً اسطورياً لا نراه كل يوم، واصبحت تلك المواقع هي الدائرة الاكبر والاهم والاكثر تأثيراً في الجماهير لانتقال كل شئ لها حتي التنافس مع النادي الأهلي.

الحقيقة ان ما يصنعه عشاق نادي الزمالك علي مواقع التواصل الاجتماعي مبهر لاقصي درجة، مبهر في كل تفاصيله، كيف تتناقل تلك الصحفات نفس الكلمات ونفس المعاني باكثر من صيغة، الوهم هنا وهناك وسينتشر بين كل من حمل في قلبه حب نادي الزمالك، النبض الابيض والوعي "ابو خطين حمر" ستشكله تلك الصفحات، سنعيش هنا ونبقي ونبني ويزدهر العالم الذي صنعناه.

رموز الاحمر المزيفة، يصنعون منهم اسماء تلمع ينخر سوس الفساد في عظامهم حتي النخاع، اوهموا الجميع بتلك الصورة الجميلة عن مسئولي الأهلي، ووضعوا بيننا من اضعفونا في مجالس ادارتنا ليقولوا ان هؤلاء هم الزمالكوية ونحن افضل منهم جميعاً، ومن يسب ويسرق ومن "يبلطج" وينال من شرف منافسيه، ليس منا بل صنيعتهم، فلا يوجد زمالكاوي سئ.

في رحلة تشجيعي لكرة القدم التي بدأت من منتصف التسعينات، في اي مكان في العالم، لم اري اي جماهير قادرة علي صناعة الوهم والاكتفاء به دون اي شئ اخر في الحياة مثل جماهير الزمالك، لديهم كل المبررات الممكنة لكل التفاصيل التي تقف في طريقهم لانتاج اليوتوبيا البيضاء التي تضم المواطن "الزمالكوي" النقي الذي يردد ما نقوله حتي وان انكره العقل، سيردده.

وبالطبع ستجد كل تلك الاوهام تربة خصبة في الكثير والكثير من جماهير الأبيض، فأن استطاعت الجماهير في المدرجات ان يعيش كلاً منهم في انكار واضح للحقيقة الاكيدة فلماذا لا يقتنع بكل تلك السيناريوهات في يوتوبيا الزمالك، هؤلاء هتفوا "ابطال علي مين" ومن بينهم الالاف لم تري الا النادي الأهلي وهو يحقق بطولة الدوري وانتظر الكثير منهم سنوات طويلة حتي شاهدوا ناديهم يحقق بطولة الدوري العام، ولكن لا بأس " برضو ابطال علي مين".

الأزمة في الأمر التي لا يستطيع عقلي ان يستوعبها، صنعتوا كل هذا الظلم حولكم، دعونا من الواقع والحقيقة الان، فلنتحدث عن التفاصيل السينمائية التي يعيش بها الكثير منكم، كيف يمكن للفارس الابيض الذي سيقودكم ضد الظلم ان ينجح وحده ضد الأعلام، والدولة والنظام والفيفا والكاف والاتحاد المصري والحكام والعالم، ان يحارب كل هذا وحده، اين الحبكة الدرامية والسنيمائية، الم تتعلموا شئ من الافلام التي شاهدتموها صغاراً وكباراً كفيلم الجزيرة مثلاً " اللي يحارب الكل يخسر يا منصور" حارب أحمد السقا ضد الجميع فخسر، فلا انتصار في حربكم تلك فـ الظلم الاحمر يحيط بكم ولا فكاك يا فرسان.

لذا اشعر انه من العدل ان اقدم لكم نصيحتي، اعتزلوا كرة القدم، اتركوها فكل هذا الظلم لا يحتمل، او اجمعوا شتات انفسكم واتركوا للشيطان الاحمر ارضاً خراب بلا منافسين، الاعتزال او الرحيل هي الحلول التي يفهمها العالم الظالم الذي تعيشون به، قلبي يعتصره الالم مما اراه ومما تتعرضون له من الظلم.

الخيال ،، هو ليل الحياة الجميل ،

هو حصننا وملاذنا من قسوة النهار الطويل ،

إن عالم "الواقع" لا يكفى وحده لحياة البشر ،

إنه أضيق من أن يتسع لحياة "إنسانية-زمالكاوية" كاملة ..

توفيق الحكيم

لمتابعة الكاتب فيسبوك وتويتر ..

X