من 8 أكتوبر إلى 8 سبتمبر.. منتخب مصر: أسرع مزيل مشاعر

من 8 أكتوبر إلى 8 سبتمبر.. منتخب مصر: أسرع مزيل مشاعر

مساء 8 أكتوبر 2017

هدوء عارم يكسو الشوارع  .. مصر التي تحتضن بداخلها أكثر من 100 مليون مواطن، شوارعها خالية للعديد من الساعات، إنها كانت الليلة الوحيدة التي بإمكانك أن تنشئ بها مدينة ملاهي بعرض شارع صلاح سالم دون أن يعترضك أحد أو يسألك ماذا تفعل؟؟ فمصر التي تمتد حضارتها لأكثر من 7000 عام اُختذلت أماكن الخروج بها في شيئين فقط .. المقاهي و ستاد برج العرب، فهذا أو ستجلس أمام التلفاز في منزلك لتتابع مباراة المنتخب الوطني أمام الكونغو.

لحظات من السكوت التام التي تعم البلاد قبل فرحة عارمة في جميع الشوارع والأزقة والبيوت يعلوها صوت "الله يا بلادنا الله" التي كان يرددها مدحت شلبي، معلق المباراة بعد تأكد تأهل الفراعنة إلى كأس العالم بعد غياب 28 عام.

العشرات يحملون محمد صلاح، نجم المنتخب الوطني على الأكتاف ليوجه التحية للآلاف الموجودين في المدرجات، وسط الأغاني الوطنية التي عادت لتلمس وجدان الجماهير بعدما أصبحت "أكلشيه" و"إفيه" يتم استخدامه في الأفلام السينمائية.

مساء 8 سبتمبر 2018

المنتخب يعود بعد 335 يومَا بالتمام والكمال لخوض أولى مبارياته على الملعب ذاته بعد الليلة السابق سرد أحداثها، إلا أن الأجواء هذه المرة كانت مغايرة تمامًا، فصوت المباراة في التلفاز بالبيوت كان هادئًا، والبعض في المقاهي يدير ظهره للمباراة ويكتفي بلعب الطاولة مع صديقه، أما صلاح سالم فكان مزدحمًا كعادته وصوت الأغنية الشهيرة لمحمود العسيلي تخرج من إحدى السيارات قائلةً :"كل حاجة اتغيرت، والذكريات اتكسرت، وأي حاجة حلوة مع الوقت اتبخرت".

على الرغم من أهمية المباراة التي تأتي في الجولة الثانية من التصفيات المؤهلة لكأس الأمم الإفريقية والذي يعد منتخب الفراعنة هو وصيف نسختها الماضية، خاصةً بعد الهزيمة في الجولة الأولى على يد تونس، وفشل المنتخب في تحقيق أي فوز خلال عام 2018 الجاري إلا أن بعض المتابعين لم يكونوا على علم في أي مسابقة تلعب هذه المباراة.. بل لم يريدوا أن يكونوا على علم!

فوز ساحق بسداسية مع أداء رائع يعيد للمنتخب هيبته، وينعش آماله في التأهل لبطولته المفضلة، إلا أن كل هذا لم يهم المشجع في تلك الليلة، لقد اكتفى العديد من المتابعين بالسخرية مما عاناه منتخب الساجدين في الأشهر الأخيرة من عقم هجومي وتهديفي، وعمل "الكوميكس" على المدرب الأرجنتيني هيكتور كوبر صاحب الفكر الدفاعي، دون اكتراث بأهمية ذلك الانتصار.

محمد صلاح الذي تمكن من إحراز هدفين وصنع آخرين وأصبح ثالث هداف للمنتخب المصري على مدار التاريخ متخطيًا رقم محمد أبو تريكة، والهداف التاريخي للفراعنة في تصفيات كأس الأمم متخطيًا حسام حسن، لم يكن بإمكان فرد واحد من العشرات الذين حملوه من قبل تكرار تلك الفعلة، فصلاح كان هذه المرة مُحاطًا بـ "البودي جاردز".

تعلم كيفية إزالة المشاعر في 335 يومًا فقط بدون إلتهابات

وسط استعداد الجميع للدخول في المحفل العالمي واعتقاد المواطن بأن شأنه قد تغير مع رفع علم بلاده في كأس العالم، وأن الأخلاق والثقافات في الشارع المصري يجب أن تتغير لتواكب الوضع الجديد، كانت الضربات تتلاحق من كل حدبٍ وصوب، إلا أن المواطن ظل صلباً ومبتسماً وهو يسمع كلمات عمرو دياب "رايِحبن للدُنيا إيد واحدة وبننادي هنعلي فَي اِسْمكَ و فَ صورتك يا بِلادي"، والتي كانت تزيده اصرارًا على استكمال الحلم الذي ظل يراوده 28 عامًا.

البداية كانت من استغلال النجم الأبرز في صفوف الفراعنة بوضع صورته على طائرة المنتخب بجوار إحدى شركات الاتصالات، دون مراعاة لتعاقده مع شركة منافسة، ليدخل اللاعب في صراع علني مع اتحاد الكرة، في موقف كان جديداً على الكرة المصرية وربما العالمية.

محمد صلاح الذي عقد عليه جميع مشجعي الكرة المصرية الآمال في كأس العالم شوهد وهو يسقط أرضًا في نهائي دوري أبطال أوروبا بعد تدخل من سيرخيو راموس، لاعب ريال مدريد، ليخرج بعدها اللاعب باكيًا من أرض الملعب قبل حوالي أسبوعين من بداية المونديال، لتعتلي الصدمة وجوة الجماهير المصرية أكثر من مشجعي ليفربول أنفسهم.

ثاني أهم لاعبو المنتخب المصري حينها، عبدالله السعيد يقوم بموقف هو الأكثر غرابة في السنوات الأخيرة بالكرة المصرية، فنجم الأهلي منذ موسم 2010-2011 يقوم بالتوقيع على عقود الانتقال للغريم التقليدي، الزمالك، قبل أن يعود في موقفه ويمدد تعاقده مع الأهلي، ليصبح اللاعب مُهددًا بالإيقاف، ويقوم الأهلي بإعارته للدوري الفنلندي ويتهاوى مستوى اللاعب قبل أيام من إنطلاق البطولة المنتظرة.

اتهامات بسرقة ملابس رياضية والتعدي على العمال لأحد أعضاء مجلس اتحاد الكرة، يُحال على إثرها للتحقيق مع منعه من رئاسة بعثة المنتخب في روسيا، إلا أن الجميع يتفاجئ بقيام الشخص ذاته بالصلاة في ملعب التدريبات المخصص للمنتخب في الشيشان والتقاط الصور بعدها مع المسئول الذي أحاله للتحقيق، وكأن شيئاً لم يحدث.

الرئيس الشيشاني رمضان قاديروف والذي تتم معاملته كمجرم حرب في القارة الأوروبية يجتمع مع نجم المنتخب الوطني محمد صلاح في مناسبتين، لتخرج بعدها الصحافة العالمية لتهاجم نجم ليفربول، الذي أوضح بدوره أنه تم إجباره على حضور المناسبتين لتعود الأزمة مُجدداً مع اتحاد الكرة.

5 مباريات ودية خاضها المنتخب الوطني استعداداً لكأس العالم، تعادل في اثنين منهما وخسر 3، وأحرز هدفين وسكنت شباكه 7، إلا أن المشجع المصري لم يأبه لتلك النتائج .. فالمباريات الودية ستختلف بالتأكيد عن اللقاءات الرسمية، وكما قال فاروق جعفر "الدوري غير الدولي".

خسارة في الثواني الأخيرة أمام رفاق لويس سواريز وكافاني لم تنل من عزيمة الفراعنة، بل زادت الجماهير إصرارًا وآملًا على تحقيق نتائج إيجابية، خاصةً وأن القادم أسهل.. وبما إن القادم أسهل فلا بأس ببعض التهاون وتحويل الآمر إلى رحلة على الجميع أن يسعد بها، لتنهال الدعوات على الفنانين ورجال الأعمال لحضور مباريات المنتخب المقبلة ورؤية أبطال العالم الذين خرجوا من أحضان النيل ومرافقتهم في فندق الإقامة ذاته .. أبطال العالم سهروا للفجر ؟؟ أني آسف.

ربع ساعة من عمر الشوط الثاني بالمباراة الثانية أمام روسيا، كانت كفيلة لإيقاذ الجميع من الغفلة، وكأن كل ما تم ذكره لم يكن كافيًا، فاتحاد الكرة والجهاز الفني واللاعبون انتظروا 3 أهداف في 15 دقيقة لمعرفة أن "الرجوع للحق فضيلة"، وكانت كفيلة أيضًا رفقة الثواني الأخيرة من عمر المباراة الثالثة أمام السعودية لإزالة كل المشاعر الجميلة التي تملكت الجماهير بدون جروح أو إلتهابات.

الآمر لم يتوقف عند ذلك، اتحاد الكرة عاد لعقد مؤتمر صحفي هزلي توعد خلالها بإظهار الحقيقة خلال أيام قليلة ومعاقبة الحارس المخضرم وقائد الفريق الذي سرب اللاعبين لغرفته من أجل التسجيل لإحدى القنوات الفضائي، إلا أن تلك القرارات لم تخرج عن حيز الهزل.

صلاح يعود للدخول في أزمة ومشادة أكبر وأضخم مع اتحاد الكرة، وذلك قبل أيام قليلة من مباراة النيجر التي كان يتم الإعلان عنها في إحدى محطات الراديو، إلا أن المشجع أغلق تلك المحطة سريعَا وعاد لسماع العسيلي الذي كان قد اندمج في أغنيته وهو يقول "لا الرجوع ده مش بزرار".

X